تقرير: باسل محمود
في خطوة غير متوقعة، غيّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسار سياسة بلاده تجاه إيران بإعلانه السماح للصين بالاستمرار في شراء النفط الإيراني، وفق بلومبرج، حيث كتب في أثناء توجهه لحضور قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، 24 يونيو، في لاهاي: \”بإمكان الصين الآن مواصلة شراء النفط من إيران، ونأمل أن تشتري كميات وفيرة من الولايات المتحدة أيضًا\”.
هذا التصريح الذي جاء عبر منصته \”تروث سوشيال\” كشف عن تحول جذري في استراتيجية \”الضغط الأقصى\” التي اتّبعها منذ سنوات، والتي استهدفت خنق صادرات إيران النفطية، وحرمانها من مواردها الحيوية.
ويأتي هذا التراجع بعد أيام فقط من تصعيد عسكري كبير، شنّت خلاله واشنطن ضربات جوية مركزة على منشآت نووية إيرانية، إلا أنَّ هذا التصعيد أعقبه تحوّل لافت في المسار السياسي، مع إعلان ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين طهران وتل أبيب، في خطوة تعكس توجّهًا نحو التهدئة، رغم هشاشة الاتفاق في ظل الخروقات المتكررة.
أسعار النفط تهبط بعد تصريح ترامب بشأن إيران
لم تتأخر الأسواق في التقاط الرسالة، إذ شهدت أسعار خام غرب تكساس الوسيط (WTI) انخفاضًا حادًا بنسبة 5% لتُلامس 65 دولارًا للبرميل، بعد أن تراجعت المخاوف من اضطراب الإمدادات على خلفية التوتر الإيراني الإسرائيلي.
كان السوق قد بدأ بالتحرك نحو الهبوط منذ تقلص فرص التصعيد العسكري، لكن إعلان ترامب -الذي يُنظر إليه كمؤشر محتمل على تخفيف العقوبات- سرّع من وتيرة الانخفاض، ويترقب المتعاملون في أسواق الطاقة ما إذا كانت هذه الخطوة تُمهّد لتغييرات فعلية في الإطار القانوني للعقوبات.
هل غيّر ترامب موقفه من العقوبات على إيران؟
ما يُثير الدهشة أنَّ تصريحات ترامب تأتي بعد أقل من شهر من تعهده العلني بملاحقة كل من يشتري النفط الإيراني بعقوبات ثانوية مشددة، في حين قال وزير خزانته، سكوت بيسينت، في فبراير إن الولايات المتحدة تسعى إلى خفض صادرات إيران من النفط إلى أقل من 10% من مستوياتها الحالية.
تلك التصريحات جاءت في إطار إعادة إحياء حملة \”الضغط الأقصى\” التي أطلقها ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى، والتي أدت إلى هبوط حاد في صادرات طهران النفطية، وإلى عزلة مالية خانقة. وبالتالي، يُنظر إلى الإذن بالصادرات نحو الصين بوصفه تراجعًا سياسيًا كبيرًا، يحمل في طيّاته حسابات استراتيجية تتجاوز الملف النووي.
الضربات الجوية.. بلا حسم نووي
رغم الضربات التي وصفتها واشنطن بـ\”الدقيقة والفعالة\”، لا تزال الأسئلة الكبرى بلا إجابة؛ فقد أكَّدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها لا تملك معلومات كافية بشأن مصير 409 كيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب، وهي كمية تُثير مخاوف جدّية، كونها تكفي نظريًا لصناعة 10 رؤوس نووية.
هذا الغموض يعزّز المخاوف من أن تكون طهران قد نجحت في إخفاء جزء من مخزونها أو نقله قبل الضربة، ما يجعل أي إنجاز عسكري غير مكتمل في نظر الخبراء، ويدفع واشنطن إلى الموازنة بين الردع والتهدئة.
اقرأ أيضًا: مخزون إيران النووي عالي التخصيب.. أين اختفى؟
هل التصريحات الأمريكية ملزمة قانونيًا؟
حتى ساعة إعلان ترامب، كانت العقوبات الثانوية المفروضة على النفط الإيراني لا تزال قائمة، وتشمل مئات الناقلات التي تُتهم بتسهيل عمليات الشحن، إضافة إلى شركات وسيطة في الصين وشرق آسيا كانت قد واجهت بالفعل عقوبات أمريكية خلال السنوات الماضية.
وفي غياب مرسوم رسمي من وزارة الخزانة الأمريكية، أو إدارة العقوبات الخارجية (OFAC)، يُنظر إلى تصريحات ترامب على أنها سياسية بالدرجة الأولى، دون أن تكون ملزمة قانونيًا أو قابلة للتطبيق الفوري في الأسواق.
وهذا بدوره يُبقي حالة الحذر قائمة لدى المشترين المحتملين، بما في ذلك الشركات الصينية التي تعرضت مرارًا لإجراءات أمريكية بسبب تعاملها مع قطاع الطاقة الإيراني.
من الرابح من تخفيف العقوبات على النفط الإيراني؟
من الناحية الاقتصادية، قد تشكّل هذه الخطوة فرصة نادرة لطهران لتعزيز صادراتها النفطية، واستعادة بعض عائدات النقد الأجنبي التي فقدتها خلال سنوات الحصار.
أما بالنسبة للصين، فهي تجد نفسها في موقع القوة، قادرة على تأمين احتياجاتها من النفط بأسعار تفضيلية، وسط تراجع عام في الأسعار العالمية.
لكن السؤال الأوسع يخص استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فهل تمثل هذه الخطوة بداية لتقارب دبلوماسي جديد؟ أم هي مجرد إجراء تكتيكي لتفكيك التوتر العسكري مؤقتًا؟
الصين.. لاعب رئيسي في معادلة الطاقة
على مدار العقد الماضي، كانت الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وغالبًا ما استمرت في استيراده حتى خلال ذروة العقوبات عبر طرق تجارية ملتوية، واليوم يمنحها تصريح ترامب غطاءً سياسياً لمواصلة ذلك بصورة علنية، ما قد يُعزز مكانتها كمحور في التوازنات الجيوسياسية للطاقة.
ومن شأن استئناف التدفقات النفطية الإيرانية نحو آسيا أن يُعيد التوازن لأسواق العرض، في وقت تُحاول فيه واشنطن التأثير في اتجاهات الأسعار العالمية دون المساس بتحالفاتها أو مواقفها المعلنة.
اقرأ المزيد حول شبكة نقل النفط الإيراني للصين والعقوبات المفروضة عليها
تصريحات ترامب.. دائمة أم تكتيكية؟
لا يزال الغموض يُخيّم على مغزى هذه التصريحات؛ فترامب لم يُعلن رسميًا تعليق العقوبات، ولا أوضح ما إذا كانت هذه الخطوة مؤقتة ضمن تفاهمات وقف التصعيد، أم أنها تندرج في إطار سياسة أوسع لتغيير المسار في الملف الإيراني.
كما أن التصريحات لم تتبعها أي خطوات من الكونغرس أو وزارة الطاقة أو مجلس الأمن القومي، ما يجعلها حتى الآن أقرب إلى الإشارة السياسية منها إلى القرار التنفيذي.
وعلى الرغم من أنّ ترامب فتح الباب إلا أنّه لم يحدد الطريق، وبينما تأمل إيران والصين بأن تؤتي هذه التصريحات ثمارها في الواقع، لا تزال الأسواق العالمية والدوائر الدبلوماسية في وضع الترقب.
قد يهمّك أيضًا: الأسواق العالمية تنتعش بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل








